08/02/2010
بقلم: مروان دراج
للمرة الأولى منذ سنوات, يحقق زيت الزيتون السوري قفزة نوعية حقيقية في معدلات ارتفاع وتائر التصدير, ما يشجع فعلياً على استمرار التوسع في زراعة الذهب الأخضر, فحسب الأرقام الأخيرة الصادرة عن هيئة تنمية الصادرات, وصلت الكميات المصدرة خلال العام 2009 إلى حدود (74) ألف طن, ومن الملاحظ أنَّ الكميات الأكبر كانت من نصيب بلدان الاتحاد الأوروبي التي استقبلت نحو (52) بالمئة من إجمالي الكميات المصدرة, وقد لا ندرك أهمية الرقم الذي وصلنا له في وتائر التصدير إلاَّ في حال علمنا أنَّه خلال العام 2006 لم تصل الكميات المصدرة إلى أكثر من (40) ألف طن, وهذا الرقم ازداد تراجعاً خلال 2008 ليصل إلى حدود (10) آلاف طن, والرقم الأخير يكاد لا يذكر قياساً بكميات العام 2009. ما يعني أنَّ تحولاً نوعياً قد طرأ على معدلات التصدير للذهب الأخضر ولا ننسى أنَّ أصحاب شركات زيت الزيتون كانوا خلال العام 2007 والذي أعقبه, قد تخوفوا من عدم التمكن من تصدير فائض الإنتاج, وفقدان كميات كبيرة منه لمزاياه وخصائصه, ما يجعل الأسعار تنخفض, والإنتاج يتحول من صنف أول إلى ثانٍ وثالث.
ولكن... ما هي الأسباب الفعلية التي أدت إلى تبدل "باروميتر" الصادرات بعد أن كاد البعض يخشى من تحوُّل النعمة إلى نقمة؟!
الأمر البديهي, أنَّ هذا التحوُّل المباغت لم ينجم عن حدوث تبدل في الأصناف المنتجة أو تحولات طرأت على مواصفات الجودة المعمول بها من جانب منظمات زراعية غذائية عربية ودولية, الأمر ليس على هذا النحو أبداً, وإنما هي مجموعة من الظروف والعوامل الذاتية والموضوعية, ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الذي أنيط بهيئة تنمية الصادرات بعد ولادتها قبل عامين, فدخول هذه الهيئة إلى ميدان التسويق أسهم وإلى حد كبير في إعادة النظر بأساليب التسويق السابقة واستبدالها بطرائق تحاكي الأساليب الحديثة. ففي وقت سابق كان يتم تسويق ما نسبته (85( بالمئة من الإنتاج على طريقة (الدوكما) أي كما لو كان الأمر يتعلق بتصدير بعض المواد الأولية التي ليست ذات قيمة وبخسة الثمن, بينما بات يقدم هذا المنتج اليوم ضمن عبوات زجاجية ومعدنية أو حتى من الميلاميم المعالج الذي يصلح للاستخدام,.... لكن الأمر الأهم الذي يساعد على رفع وتائر التصدير يتمثل في اضطرار المصدرين السوريين إلى خفض الأسعار بعد أن تكدست المخازين في المستودعات والبراميل. وبدأ صراخ المنتجين يعلو نتيجة نقص السيولة المالية, وما شجع على مثل هذا التخفيض ليس فقط التخوف من تعاظم الكميات المخزنة, وإنما أيضاً تماشياً مع انخفاض أسعار المنتج في الأسواق الخارجية في أعقاب الأزمة المالية العالمية, مضافاً إلى ذلك التبدل الملحوظ الذي طرأ على عقلية المصدرين لجهة الوعي التنافسي والقبول بهوامش ربح تحاكي معادلة العرض والطلب التي تحكم أسعار قوائم لا حصر لها من السلع والمنتجات, ولعلَّ الأمر الذي يندر الحديث حوله في هذا الجانب, هو أنَّ تكلفة إنتاج زيت الزيتون السوري تعتبر أعلى بنسبة كبيرة قياساً بمنتجات تونس وإسبانيا وتركيا, وهذا الجانب شجع بعض التجار في السوق المحلية إلى استيراد زيت الزيتون من هذه البلدان وتسويقه بأسعار تقل عن مثيلاتها المحلية, ما أسهم وإلى حد كبير ليس فقط في انخفاض وتائر التصدير خلال سنوات سابقة, وإنما أيضاً تراجع إقبال المستهلكين في السوق المحلية. ففي الوقت الحاضر يباع كل كغ من زيت الزيتون السوري بنحو (140) ليرة بعد أن كان بحدود (180) ليرة, أي يفارق سعري كان يصل إلى حدود (40) ليرة قياساً بأسعار تونس وتركيا وإسبانيا, وهذه الهوة الشاسعة في الأسعار, من البديهي ألاّ تشجع المستوردين بشراء منتجاتنا والتوجه إلى أسواق أخرى, وفيما لو بقيت هذه المعادلة على حالها, فإنَّ ذلك سيعني استحالة تسويق الإنتاج مستقبلاً, خاصة وأنَّ كميات إنتاج زيت الزيتون السوري ومرشحة للارتفاع وليس للانحسار وذلك نتيجة التوسع المستمر في زراعة أشجار الزيتون بحدود (3) ملايين شجرة سنوياً ودخول أشجار جديدة في طور الإنتاج بحدود (2) مليون شجرة سنوياً, نتيجة التشجيع الحكومي على زراعة غراس الزيتون. ومن المفيد التذكير في هذا السياق بأنَّ المساحة المزروعة بأشجار الزيتون في سورية تجاوزت (638500) هكتار, تحوي على حوالي (85) مليون شجرة زيتون, وتقدر عائدات هذه الثروة سنوياً بنحو (7) مليار ليرة فقط وذلك فقط من زيت الزيتون المصدَّر.
وإذا كانت الظروف الآنفة الذكر كانت قد شجعت المصدرين على القبول ربما بأسعار التكلفة خلال العام الماضي تماشياً مع سياسة الأمر الواقع, بهدف التخلص من المخازين, ولكن ماذا عن المستقبل القريب... وكيف يمكن التخفيض من نسبة التكلفة لرفع وتأثر التصدير ومنافسة الإنتاج الخارجي؟.
لما كان قانون العرض والطلب هو الذي يحكم أسعار توائم لا حصر لها من السلع والمنتجات, فإنَّ حكومات معظم بلدان العالم, وخاصة بعد سريان مفعول اتفاقات منظمة التجارة العالمية مطلع عام 2005, باتت تتدخل في حال اقتضت الضرورة, وذلك وفقاً للظروف والشروط التي تحيط بتسويق هذا المنتج أو ذاك, ففي غالبية حكومات العالم تبادر الحكومات ومنذ زمن بعيد في دعم المصدرين انطلاقاً من حسابات اقتصادية من شأنها رفع وتأثر التصدير والحفاظ على زراعات إستراتيجية تقوم بتشغيل الملايين من العمّال والمزارعين، فالحكومات التي تحدثنا عنها وخاصة في تونس وتركيا وإسبانيا, بادرت بدعم المصدرين من خلال تقديم (يورو) واحد عن كل كغ يتم تصديره, وفي حال علمنا أنَّ اليورو يساوي (65) ليرة, فذلك يعني أنَّ المبلغ الصافي الذي يذهب إلى جيوب المصدرين يصل إلى نحو (35) ليرة, وفيما لو أخذنا بأسعار زيت الزيتون عالمياً ومحلياً, فذلك يستوجب من الحكومة السورية, دعم المصدرين بمبلغ يصل إلى نحو نصف يورو عن كل كغ يتم تصديره, وحسب ما جاء على لسان مسؤول هيئة تنمية الصادرات قبل شهور, أنَّه في حال قامت الحكومة بتغطية الهوة بين كلفة الإنتاج في سورية وكلفته في الدول المجاورة, فستكون الحركة عكسية وسينتقل الصناعيون والمستثمرون إلى سورية, واستناداً إلى هذا المبدأ, (....) فإنَّه سيتم دعم مجموعة من السلع الاستيراتيجية تمَّ تحديدها من قبل وزارتي الاقتصاد والصناعة, بينها زيت الزيتون...., والسؤال هل سيكون هذا الدعم رمزياً وشكلياً, أم أنَّه سوف يتوازى فعلياً مع ذات النسبة المطلوبة لجسر الهوة في أكلاف المنتج المحلي والخارجي؟!
الإجابة على هذا السؤال, منوطة بآليات التعاطي مع المصدرين خلال الموسم الحالي, ولكن في حال لم نفعل ولم نترجم الأقوال إلى أفعال, فإنَّ المصدرين سوف يخسروا الكثير من الأسواق, ذلك أنَّ المعلومات التي بين أيدينا تقول: أنَّ الشركات التي قامت بشراء كميات معقولة نسبياً خلال 2009, كانت مضطرة أو مرغمة على شراء زيت الزيتون السوري, نتيجة الانخفاض النسبي في الأسعار أولاً, وأيضاً بسبب ارتباط حكومات هذه الشركات مع سورية باتفاقات للتبادل التجاري, وهذه الحكومات والشركات نفسها قد تعيد حساباتها وتقوم بإجراء تعديلات على هذه الاتفاقيات كي تكون مرغمة أو ملزمة مرة أخرى بشراء المنتج السوري, ما يعني, أنَّ دعم المصدرين ودخولهم ميدان المنافسة لا مهرب منه على الإطلاق, ولا ننسى أنَّ هناك ميزة يتعين الاستفادة منها وهي غير موجودة في معظم إنتاج زيت الزيتون الخارجي, فحسب منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو) وحسب المجلس الدولي لزيت الزيتون, أنَّه من خصائص زيت الزيتون السوري, النكهة العطرية والطعم الممتاز, وهذه الشهادة يفترض استثمارها على نحو أمثل والاستفادة منها في إغراء وجذب الأسواق الخارجية.
سيرياستيبس |