شهد العقد الأول من الألفية الثالثة تغيرات اقتصادية كثيرة سواء على المستوى المحلي أو العالمي،وهي تغيرات على المستوى المحلي قال عنها المسؤولون: إنها تطورات أنعشت الاقتصاد السوري وجعلته يمضي قدماً، فيما قال باحثون اقتصاديون : إنها تغيرات تسببت بإغراق للمنتجات السورية لحساب المنتجات العربية والتركية والصينية، وهذا واضح بأرقام العجز في ميزان التجارة الخارجية التي وصلت إلى 130 مليار ليرة سورية في عام ألفين وثمانية.
بعيداً عن اتفاقيات وقعت، وقريباً من اتفاقية تدرس منذ قرابة الأربع سنوات برأي الاستشاريين ستوقع مع بواكير الألفين وعشرة معتبرين أنها الأهم - اتفاقية الشراكة الأوربية – إلا أنهم قالوا عنها : ستذهب بمنتجاتنا إلى إغراق أكبر من السابق، وستجعل من اقتصادنا وميزاننا التجاري في عجز لم يسبق له مثيل، إلا أنها قد تجعلنا نستيقظ من نومنا الذي طال، كما خلقت تبايناً في آراء المصدرين السوريين، ليعتبرها البعض ملاذه الآمن، ويطلق عليها بعض آخر - تحطيم للصناعة السورية- ولن تكون أفضل من الواقع الحالي برأي آخرين.
إسعاف وترميم
إن ما يحصل في الصناعة السورية عبارة عن عمليات إسعاف وترميم وليس تنمية وتعديلاً بنيوياً وجوهرياً للصناعة، هذا ما قاله الباحث الاقتصادي الشاب أيهم أسد، مضيفاً أن ذلك ملاحظ إذ إن سورية ومع كل اتفاقية منطقة تجارة حرة توقع مع دولة أو مجموعة من الدول فإن العجز في الميزان التجاري الخارجي يزداد خصوصاً منذ عام 2000 وحتى عام 2007-2008، إذ تناقصت صادرات القطاع الخاص من خلال تخفيض متوسط التعرفة الجمركية من 250بالمئة إلى 14بالمئة مما جعل السوق السورية مفتوحة للمنتجات الخارجية، إضافة إلى أنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن الصناعة المحلية ضعيفة مقارنة بالعالمية، وبالتالي إن الاقتصاد والمجتمع السوريين غير قادرين على إنتاج سلع صناعية تلبي حاجة الأسواق المحلية، وغير قادرين على منافسة ما يأتي من الخارج، مما يعمق ويزيد الفجوة في العجز، وخير دليل على ذلك أن سوريا أصبحت سوقاً استهلاكياً للمنتجات التركية والعربية والصينية وستصبح مستقبلاً سوقاً استهلاكية للمنتجات الأوربية، مما سيجعل اتجاهات ميزان التجارة الخارجية في سورية حتى 2020-2025 متجهاً نحو العجز، بمعنى أن الواردات ستبقى أكثر من الصادرات مما يزيد الإغراق في الميزان ويؤدي إلى أن السوق السورية مستوردة وليست مصدرة.
لديها مشاكل بنيوية
أجاب أسد بسؤالين يتعلقان بماهية جودة المنتج السوري هما: هل حلت المشاكل البنيوية للصناعة السورية قبل التوجه إلى موضوع الدعم؟ و ألم يبقَ أمام الصناعة السورية سوى الدعم لتنافس الأسواق الخارجية بما فيها الأوربية؟
بكل تأكيد لا، فهناك مئات المشاكل يجب حلها قبل التوجه إلى التنافسية العالمية، لأن المنتج السوري يتميز بجدارة، أنه منخفض القيمة المضافة المعرفية أو ما يسمى اقتصادياً بـ(محتوى تكنولوجي منخفض)، فالصناعات اليوم في العالم هي إما صناعات معرفية بالمطلق أو صناعات تستفيد من منتجات الصناعات المعرفية لتطوير ذاتها في الأسواق الدولية، وبالتالي هناك تجاوز لمسألة الجودة والتنافسية السعرية والتنافسية بالشكل لصالح التنافسية التكنولوجية، وهذه الأنواع من التنافسية غير محققة في منتجات الاقتصاد السوري، ذلك أن حجم الصادرات الصناعية في سورية ذات المحتوى التكنولوجي والمتوسط لا يتجاوز 2بالمئة-3بالمئة من حجوم الصادرات وفق الإحصاءات الرسمية.
الدعم باللون الأخضر
وقال أسد: خلال السنوات الأربع الماضية التي كانت فيها الاتفاقية السورية مجمدة مع الاتحاد الأوربي تم تعديل وتفكيك الرسوم لجمركية أكثر من مرة، بسبب أن سورية تجاوزت وفككت أكثر بكثير مما كان متفق عليه، وهذا يؤكد تفكيك الرسوم بعد توقيع الاتفاقية إذ إنه بمجرد توقيع الاتفاقية فإن آليات دعم السلع الصناعية وآليات الرسوم التعويضية والإجراءات الوقائية وتدابير متعلقة بالدعم، ستنتقل مباشرة إلى قواعد وأحكام منظمة التجارة العالمية WTO وهذا واضح من خلال ما تنص عليه بنود الاتفاقية الأوربية وتحديداً في المادة (29) و(30) من الاتفاق، حيث أن دعم WTO يقسم إلى نوعين أساسين: أولهما الدعم المحظور(اللون الأحمر) الذي يعبر عن دعم الصادرات ودعم استخدام السلع المحلية وهو ممنوع بالمطلق ولا يجوز لأي حكومة استخدامه, وهذا سيخلق آلية تعارض مع بعض هيئات الاتحاد الأوربي عند توقيع الاتفاقية إذ إن التوجه السوري مؤخرا هو إنشاء هيئات تخص جميع الوزارات والمديريات بما فيها إنشاء هيئة دعم وتنمية الصادرات السورية .
وعن التوفيق بين الآليات المحلية والآليات الدولية بما يتعلق بمسألة الدعم يقول أسد: إن هذا موضوع جوهري ومحوري، ومن الممكن تحقيقه من خلال الدعم المسموح الذي يقسم إلى دعم مسموح يبرر التقاضي (اللون الأصفر) ودعم مسموح لا يبرر التقاضي(اللون الأخضر) حيث أن دعم اللون الأصفر يسمح بالدعم لأي دولة ترغب بتنشيط صادراتها، شريطة ألا يسبب الضرر لصناعة بلد آخر، أما أفضل وسيلة للتوفيق بين الآليات المحلية والدولية فهي اللجوء إلى دعم اللون الأخضر، فأي دولة تستطيع من خلاله أن تقدم لصادراتها الدعم وفق شروط معينة، كما أنه لا يسمح لأي دولة أن تعترض عليه أو أن تقاضي الحكومة التي تعتمده في دعم صادراتها.
الحل...اقتصاد المعرفة
وبرأي أسد هناك حل واحد ومباشر إلا أنه مركب ومعقد يعتمد على هيكلة الصناعة السورية وتحديد وتطوير إعادة النظر بالبنية التكنولوجية, ذلك أنه لا يمكن على الإطلاق التحدث عن صناعة تحتوي على بنى تكنولوجية عديمة أو منخفضة المحتوى التكنولوجي, إذ إن كل دول العالم تتخذ نموذج اقتصاد المعرفة وما زلنا في سوريا باقتصاد كلاسيكي تقليدي والتغيير البنيوي هو الحل إضافة إلى الأدوات والسياسات التي تتطلب مقدرة كبيرة وليس شخصاً بمفرده بل تعتمد السياسة النقدية والمالية والصناعية والفكر التنموي السائد في البلد وما يسوده من ليبرالية وتحرير اقتصادي شريطة أن تكون هذه السياسات مجتمعة.
شعارات طوباوية ومطروقة
الاستشاري في هيئة الاتحاد الأوربي لدعم لصناعةUNEDO الدكتور سعد بساطة يصف الكثير من محاولات التصدير الحالية في سورية التي يقوم بها التجار لدول الجوار بالخجولة وأنها على مبدأ (ضربة تصيب وضربة تخيب)، وبعض منها يستند إلى علاقات شخصية هشة، ويقول: يجب أن يكون السعي في سوريا نحو تحويل التصدير إلى عمل اقتصادي حقيقي، يرجى منه قيمة مضافة مرتفعة مرجوة يعوض الدولة عن الفرق في ميزان المدفوعات بين نضوب النفط وبين الحصول على منتجات محلية تصدر إلى دول الخارج بعلاقات احترافية حقيقية، وبالتالي محاولة ردم الثغرة بين المصدر والمستورد، ولتدارك هذه الأمور يجب ألا ننتظر حتى الوصول إلى السلعة النهائية، وإنما تهيئة المناخ الملائم للوصول إلى السلعة والذي يعتبر أحد أهم أنواع الدعم الهام الذي تحتاجه مؤسساتنا، إضافة إلى رفع السوية الإنتاجية ورفع مهارات من يعمل بها وتحسين المستوى الإداري والتخفيف من الهدر، وتحقيق هذه المستويات ليس بالشعارات الطوباوية المطروقة، لأنها الخطوات الصحيحة في سبيل الحصول على سلعة محلية قوية لديها القدرة على اختراق السوق الأجنبية والصمود ضمن تلك الأسواق.
اعتمدنا التصدير الوهمي
لم نصل إلى توقيع اتفاقية الشراكة بين ليلة وضحاها إذ إنه منذ سنوات وهي تناقش, وإذا فرضنا أنها وقعت مع بواكير 2010 فإن هناك مدة تتراوح من 3-5 سنوات حتى نصل إلى الشراكة الحقيقية وبالتالي إزالة كل أنواع الدعم، وأكد بساطة أن صناعتنا وخدماتنا استفادوا كثيراً في الماضي من الدعم إلا أنه اعتمد بشكل كبير على التصدير الوهمي وهو ما سبب بالترهل والضعف للعمود الفقري في الاقتصاد، علماً أن صناعتنا لم تعد توصف بأنها صناعة بسيطة وناشئة ومن الممكن خلال فترة انتقالية بسيطة أن تقف على أرجلها، كما يمكن تحديد نقاط الضعف وردمها بمساعدة الوزارات والهيئات المختلفة، خاصة هيئة ترويج وتنمية الصادرات مع التأكيد على أنها ليست الجهة الوحيدة المعنية بمتابعة الصادرات, كما أن وزارة الصحة ليست الوحيدة المختصة بمتابعة شؤون الصحة بل ينبغي على كل شخص الاهتمام بصحته، وعلى كل منشأة صناعية الاهتمام بصحة منتجاتها وتهيئتها للتصدير بشكل سليم.
وأضاف بساطة أن 81بالمئة من المنشآت الصناعية السورية صغيرة ومتوسطة والمؤسسات الصغيرة غير قادرة على اختراق الدول الضخمة، إلا في حالة واحدة وهي وجود تكتلات (عناقيد)، تجمع المؤسسات والمنشآت وتساعدها في إضافة تقنيات عالية وتأمين الدعاية لمنتجاتها والمساعدة في التدريب والتأهيل، وبالتالي تنتقل هذه المنشآت من المحلية إلى العالمية.
وعن جودة المنتج السوري يقول بساطة: هناك منتجات سورية بمواصفات مقبولة ومنتجات بمواصفات هائلة، إلا أنها قليلة ونادرة وإلى الآن لم تصل إلى العالمية، ذلك أنا نكتفي بامتلاكنا للميزة النسبية الموروثة إلا أنها (كالمعلومة الهائلة عند الشخص الأخرس)، إذا ما روجت ونقلت عبر وسائل الإعلام إلى الخارج وطورت بمهاراتنا، ستبقى ميزة ميتة ولن تصل إلى التنافسية، حيث أن الكثير من الدول تستورد المنتجات السورية وتصدرها على أنها من منتجاتها الخاصة كزيت الزيتون السوري الذي تستورده كل من تركيا وإيطاليا بشكل (دوكما) وتعاد تعبئته ومن ثم يصدر على أنه تركي أو إيطالي، والمكسرات السورية تستوردها لبنان وتعيد تحميصها وتضعها في أمبلاج أنيق وتصدرها على أنها لبنانية، وهذا تخلي عن ميزة نسبية من خلالها نصل إلى التنافسية العالمية، مما يعني أننا لا نسير بشراكة حقيقية وتخلينا عن جزء من مهام منتجنا وسلمناه للآخرين بسهولة واستكانة، فكانت شهرة هذا المنتج تحت اسم دولة أخرى، مما يعني أن منتجاتنا من ناحية التصدير لا تزال تراوح في المكان وهو(الصفر) ، وإلى الآن ونحن نتساءل عن السوق مفتوحاً أم مغلقاً؟ وهل هو سوق اقتصاد اجتماعي أم سوق اقتصاد حر؟ في حين أن الآخرين اخترقوا الحدود ووصلوا بمنتجاتهم إلى السوق الدولية، كما فعلت تونس وتركيا وماليزيا، إذ كانوا في مثل حالتنا إلى أن وضعوا إستراتيجية واضحة المعالم خلال العشرين سنة الماضية، وانتقلوا إلى التنفيذ بخطا حثيثة إلى أن وصلوا إلى العالمية.
وأضاف بساطة أن السوق السورية بعد توقيع اتفاقية الشراكة الأوربية ليس من الضرورة أن تكون سوقاً مستهلكة للمنتجات الأوربية، خاصة أن استهلاك منتجاتهم يحتاج لقوة شرائية عالية لأنها ليست رخيصة ومتاحة، وقد تكون (الأسواق الأوربية مرتعاً للمنتجات السورية ) شريطة أن تتمتع المنتجات السورية بمواصفات معينة يقبل فيها المشرع والمستورد الأوربي.
ميزة الاتفاقية التنافسية
الباحث الاقتصادي الدكتور مروان فواز يقول عن اتفاقية الشراكة الأوربية: إن الاتفاقية إذا كانت تمتلك مزايا فإن ميزتها الوحيدة هي تحسين منتجاتنا لتكون منتجات تنافسية وإلا ستكون اتفاقية خاسرة ومكلفة خاصة فيما يتعلق بالمنتجات الصناعية، فمن خلال تحقيق التنافسية نحقق النوعية الجيدة والإنتاج الجيد والتكاليف القليلة أي (أجود الأنواع بأقل الأسعار) أما عن طلب الاتحاد الأوربي مطابقة المنتج السوري مع منتجهم ورفض المواءمة على بعض المنتجات يقول فواز : لا يوجد تعارض بين المواءمة والمطابقة على الإطلاق، لأن قبولنا بالمواصفات الأوربية يعتبر أمراً جيداً، إذ يجعل منتجنا مباعاً في الأسواق الأوربية، كما أن المواصفة السورية ليست ابتداعاً شخصياً وإنما هي مأخوذة من المواصفة العالمية، مما يعني عدم وجود مشكلة بين المطابقة والمواءمة.
يجب أن نستيقظ...
وأشار فواز إلى أن سورية تمتلك بعض الصناعات الجيدة التي يجب أن تعتمد عليها في التمثيل العالمي، إذ أنها تمتلك المزايا النسبية الجيدة خاصة في القطاع النسيجي والألبسة وتعتبر منافسة لمثيلاتها العالمية، فيجب علينا ألا نبقى نائمين ونسعى إلى السير في الطريق الذي يجعل من كل الصناعات السورية صناعات تنافسية عالمية وليس فقط جانب النسيج والألبسة.
الشراكة الأوربية ملاذنا الوحيد...
أما أمين سر رابطة المصدرين السوريين للألبسة النسيجية أديب الأشقر فيقول: نأمل بتوقيع اتفاقية الشراكة الأوربية اليوم قبل غد لأنها الملاذ الوحيد لصناعة الألبسة النسيجية السورية، فالأوربيون لا يشكلون خطورة على قطاعنا مقارنة بمصر وتونس والمغرب وتركيا والصين، إضافة إلى أنه بمجرد توقيع الاتفاقية سيوضع خطة عمل سنوية مستقبلية للاقتصاد السوري وذلك لمدة تتراوح بين خمس سنوات وعشرين سنة نعرف من خلالها متى يكون السوق مفتوحاً وكيف تهبط التعرفة الجمركية لتتناقص بالتدريج مما يعني أن واقع التصدير والاستيراد يكون واضحاً لمدة خمسة عشر عاماً .
صيني...صنع الإمارات
وأضاف الأشقر أن الصادرات الغذائية السورية إلى الاتحاد الأوربي ستتأثر سلباً عقب توقيع الاتفاقية لأن الشروط التي وضعها الأوربيون شروط حازمة وقاسية, إذ إنهم يطلبون المطابقة وسورية تطلب المواءمة، فلا يرغبون بتصدير أي منتج غذائي لأسواقهم لأنهم يحمون صناعاتهم الغذائية ويدعمونها بشكل جيد، وهذا من أسباب تأخر توقيع الاتفاقية إضافة إلى أسباب سياسية غير مصرح بها، وهي ضغوطات إسرائيلية وأمريكية وبريطانية منذ 2007 إلى اليوم على كل الأوربيين مفادها أن سوريا دولة راعية للإرهاب، وهذا واضح إذ إن الأوربيين بعد تغيير الحكومة الأمريكية السابقة سارعوا إلى سوريا من أجل توقيع الاتفاقية لأنهم يدركون الفائدة الاقتصادية من توقيع الشراكة مع سوريا، كما أن التوقيع من قبلنا بات حاجة ماسة إذ إنا نتعامل بصادراتنا أوربياً إلى الآن باتفاقية أكل الدهر عليها وشرب URO ON الموقعة في 1993، والتأني الحالي في التوقيع حتى لا نقع في مشاكل الاتفاقية القديمة وكي لا نعيد التسرع الذي حصل في اتفاقية التجارة العربية، إذ تم تنفيذها دون تقديم أي تشجيع مقابل, وقمنا من خلالها بفتح أسواقنا لمنتجات بالأصل ليست عربية، كالإمارات العربية المتحدة التي تصدر منتجات ليس لها علاقة بصناعتهم، إنما صينية أو هندية دخلت إلى الأسواق الإماراتية ودبغ عليها(صنع في الإمارات) صدرت إلينا على أنها إماراتية .
أما عن آلية الدعم فيقول الأشقر يجب علينا وبشكل جاد أن نبحث عن طرق دعم غير مباشر لأن الاتفاقية تمنع الدعم المباشر منعاً باتاً لأي سلعة ستدخل السوق الأوربية كما فعلت الصين سابقاً، وربما يكون الدعم غير المباشر في سوريا من خلال تخفيض سعر مادة المازوت للمصدرين من 20 ليرة لليتر الواحد إلى سعره السابق 7 ليرات لليتر الواحد كما يحصل في مصر, ذلك أنها وقعت على الاتفاقية الدولية للتجارة العالمية وبموجبها فلا يحق لمصر دعم صادراتها إلى سورية دعماً مباشراً، إلا أنها تخالف الأنظمة وتقدم لمصدريها 15بالمئة دعماً من قيمة الصادرات، كما أنها تقدم دعماً غير مباشر إذ تلجأ إلى تخفيض تعرفة الكهرباء لكل المصدرين.
لا نواجه مشكلات سياسية...
وبرأي أمين صندوق هيئة تنمية وترويج الصادرات السورية إيهاب اسمندر أن الغاية الأساسية من اتفاقيات تحرير التجارة هي تشجيع التبادل التجاري بين الدول لأنه يحقق نظرياً رفعاً للقيود الكمية والجمركية والإدارية لأي دولة من أمام منتجات دولة أخرى، شريطة أن يحمل المنتج المصدر شهادة المنشأ المحلي أي أن 40بالمئة من مكوناته صنعت في بلد التصدير، ومن الناحية العملية فإن معظم الدول تستفيد من اتفاقيات تحرير التجارة وإلا لما أقدمت عليها، علماً أنها ليست سهلة أو جديدة حيث أنWTO موقعة منذ عام 1984، وسورية إلى الآن قدمت طلبين لإعادة الانضمام إليها، لأنها تؤمن بفلسفة فكرة تحرير التجارة ودليل ذلك أنها عضو مع سبعة عشر دولة عربية باتفاقية GAFTA المختصة بتحرير التجارة التي بدأ تطبيقها في 1/1/2005، وعضو في اتفاقية منطقة التجارة الحرة مع تركيا التي وقعت في 1/1/2007، إضافة إلى توقيع اتفاقية مبدئية للشراكة مع الاتحاد الأوربي بأحرفها الأولى في 14/12/2008، مما يدل على توجهنا نحو تحرير التجارة مع أوربا، كما أن سوريا تدرس حالياً إمكانية توقيع اتفاقيات جديدة تقوم بموجبها بتحرير التجارة مع دول أخرى كماليزيا وإيران ودول إفريقية غير عربية وبعض دول الاتحاد السوفيتي سابقاً، وكل هذه المعطيات تشير إلى أن سوريا تتبع سياسة تحرير التجارة الخارجية ولا تواجه أي مشكلة سياسية في هذا الاتجاه.
أما عن آثار توقيع سوريا لاتفاقية الاتحاد الأوربي حال اكتمالها فيقول اسمندر: إن الأثر لا يكون ذاته على كل الأطراف وما يهم هو النظر إلى الأثر الإجمالي, فقد تنعكس الاتفاقية مع الاتحاد الأوربي سلباً على بعض القطاعات والمنشآت ورجال الأعمال لأن هناك بعض المنتجين يحاولون أن يخفوا ضعفهم ربما لأن منتجهم لا يحقق الشروط والمواصفات المطلوبة ولا يستطيعون التصدير أساساً, بينما غالبية المنتجين يعتبرونها مطلباً أساسياً ويتمنون حدوثه مما يعني أن المشكلة تكمن لدى البعض وليس في الاتفاقية، مما يعني أن الأهمية تكمن في الأثر الإجمالي مع التأكيد على أن تحقيق المفاعيل الايجابية يحتاج إلى بعض الوقت ولا يكون آنياً، ونستفيد في ذلك من المرحلة الانتقالية التي تعقب الاتفاقية إذ تصل إلى 12سنة.
وعن آلية دعم الصادرات من قبل هيئة تنمية وترويج الصادرات أشار اسمندر إلى أنها تشمل عدة مستويات أولها الترويج والتسويق للمنتجات السورية من خلال إقامة المعارض الدائمة كمعرض دمشق الدولي إذ إنه يتضمن حالياً 140 عارضاً وهم في تزايد مستمر إضافة إلى المشاركة في معارض عالمية وهناك خطة لعام 2010 للمشاركة في عشرة معارض عالمية، يقوم من خلالها المنتج السوري بعرض منتجاته ليعرف بها الدول الأخرى، كما أنه يتعرف على احتياجات مستهلكهم عن قرب ، وهناك تسويق آخر من خلال إصدار البروشورات والفايلات الخاصة بالمنتجات السورية، كما يوجد آلية للتسويق الإلكتروني للمنتجات السورية، إضافة إلى نشاط هام للغاية وهو المشاركة في نقطة تجارة سورية الدولية، إذ إنها تقدم معلومات كبيرة عن الاقتصاد السوري والقوانين والتشريعات المتعلقة بسوريا وأهم المنتجات وأشهرها وأسماء المنتجين والشركات وعناوينهم للتواصل مع 150 دولة يضمها الاتحاد العالمي لنقاط التجارة الدولية، ومن ناحية ثانية سنعتمد على الدعم المعرفي من خلال الخبراء المختصين بالمجال الإنتاجي، إذ نلجأ إليهم عن طريق بعض المنظمات العالمية للمشاريع والبرامج الدولية، ليقدموا المعرفة للمنتجين السوريين بأذواق وأساليب الإنتاج والقوانين الناظمة للدول التي يستهدفها المصدر السوري واحتياجات مستهلك تلك الدول، والدعم الثالث هو تخفيض تكلفة التصدير من خلال خطة وضعت تشمل مجموعة من السلع يؤمن لها الدعم المالي بالشكل غير المباشر إذا تم تصديرها، وهذه الأنواع من الدعم وفق الاتفاقية الأوربية ليست ممنوعة، ولن يكون هناك دعم للمنتجات المتصفة بالدوكما على الإطلاق حتى لا تستفيد منه دولة أخرى ، كما أنا نمتلك دراسات للدعم قمنا بها محلياً إضافة إلى دراسات من الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي، تشير إلى أن منفذ الدعم إذا كان دولة نامية يكون العائد على الدعم أكبر من كونه دولة متقدمة وغنية (الدولة الأفقر إذا دعمت تستفيد أكثر) والفائدة الكبرى تتحقق في حال كان الدعم من دولة نامية إلى دولة نامية, ولهذا قد نلجأ كسوريين إلى فتح منافذ جديدة للتصدير ودعمه مع بعض دول الاتحاد السوفييتي من ناحية ومع دول إفريقية من ناحية أخرى، كما أن الصناعة السورية تعتبر منافسة ولها حضور دولي لأنها تمتلك مزايا نسبية عالية، والهدف الأساسي لسورية من الاتفاقية الأوربية هو إزالة العوائق أمام الصناعة السورية، وهنا يأتي دور الدعم إذ إن غايته تعزيز حضور المنتجات السورية على الساحة الدولية وإضافة المزيد من القدرة التنافسية للصناعة السورية ولا يعتبر الدعم صانعاً للصناعة السورية على الإطلاق.
ردم الفجوة
وفي سؤال عن أن بعض المستشارين الاقتصاديين يتوقعون زيادة العجز في الميزان التجاري السوري إثر اتفاقيات تحرير التجارة أجاب اسمندر: إن معدلات تقديرات الاقتصاديين المتعلقة بعجز الميزان التجاري السوري من غير الضروري أن تكون صحيحة، ذلك أنها قدرت عام 2008 بـ200مليار ليرة سورية إلى أن ظهر الرقم الفعلي لعجز ميزان التجارة وبلغ 130مليار ليرة سورية, وهذا يدل على أن نسبة الخطأ تجاوزت 30بالمئة عن الرقم المقدر، أما من ناحية أخرى فإن تحرير التجارة لن يكون دورها ما يقوله بعض الاقتصاديون، لأن الاستيراد بحد ذاته ليس بالمشكلة مقارنة بأهمية زيادة نسبة الصادرات، وتتحقق هذه الزيادة من خلال بعض المنشآت الموجودة حالياً إلا أنها عاجزة عن الإنتاج، وعقب توقيع الاتفاقية ستبدأ هذه المنشآت بالعمل والإنتاج مما يزيد بالمقابل من وتيرة الصادرات السورية، إلا أن توقعات الاقتصاديين تفرض علينا التوجه بشكل أكبر نحو دعم المنتجات التصديرية السورية للوصول إلى الأولوية الأهم في هيئة ترويج وتنمية الصادرات وهي ردم الفجوة في الميزان التجاري السوري.
المستوردة رديئة
عضو اتحاد الصناعات الغذائية العربية دكتور الهندسة الغذائية والجودة محمد بشير معاني يقول: حقيقة لا مانع من دخول أي من الصناعات العربية والأجنبية إلى سوريا لأنها تخلق المنافسة الشريفة، شريطة أن تكون المعاملة شريفة، ولكن كيف على كل من السعودية و دول الخليج أن تصدر إلينا المياه المعبأة وليس لديهم أيا من الينابيع المنتجة لهذه المياه، إضافة إلى الملابس الصينية التي تأتينا ودبغ عليها صنع في الإمارات أو السعودية أو لبنان أو الأردن حتى إني شخصياً أشك في أن المنتجات الأردنية التي تأتي إلى سوريا هي ذات منشأ أردني، فكل هذه العوامل مجتمعة خلال العقد الماضي أثرت بشكل كبير على الصناعات الوطنية، علماً أن العقد الماضي شهد ارتقاء للمنتجات الوطنية أضعافاً مضاعفة عما كانت عليه سابقا، بسبب الوعي بالصناعة والوعي بالمستهلك، باستثناء المستهلك الذي لا يمتلك القدرة الشرائية ويضطر لاقتناء المنتج الرديء لسعره المنخفض، وهو ما يؤثر على المنتج الوطني لأن المنتجات الرديئة في الغالب مستوردة، وبمثال آخر فإن الملابس الجيدة والمشهورة عالمياً (الاسبانية-الايطالية) هي بالأساس سوريا والدليل القطعي على جودة منتجنا أنه يوجد في تلك الدول محلات ألبسة وغذائية كتب عليها –المنتجات الشامية- إلا أنا لم ندرك هذه القيمة ولم نفهم هذا المعنى واستغنينا عن منتج يوصلنا إلى العالمية, وهذه الاستهانة بمنتجنا جعلت من دول عديدة تستورد الملابس من سورية وتنسبها إلى نفسها.
تحطيم للصناعة
وعن اتفاقية الشراكة الأوربية يقول معاني: إن الاتفاقية ليست من صالح سورية على الإطلاق وسوف تجعل من السوق السورية سوقاً استهلاكية للمنتج الأوربي بالمطلق لأكثر من سبب, أهمها: وجود منتجات سورية هي بالفعل رديئة وفقدت مصداقيتها لدى المستهلك المحلي، والسبب الآخر اعتقاد المستهلك المحلي أن المنتج الأوربي خارق للطبيعة، علماً أن أوربا لن تصدر إلينا إلا المنتجات غير المعروفة وربما تكون بالأساس سورية كزيت الزيتون ورب البندورة والمكسرات، ودليل ذلك الهواتف النقالة الموجودة حالياً في سورية إذ سجل عليها من الخارج صنع في أمريكا أو ألمانيا أو هنغاريا أو فنلندا وهي من الداخل صينية، وكذلك الأدوات الكهربائية الموجودة في سورية فكلها صينية، وبالتالي فإن الاتفاقية الأوربية ستتسبب بأزمة وطنية كبيرة وستكون شبه تحطيم للصناعة السورية بكل أنواعها وخاصة الصناعة الغذائية، وعلى الحكومة أن تعيد النظر بالبنية الأساسية للاتفاقية كي لا تعيد أخطاء اتفاقيات سابقة انفتحت من خلالها على دول كثيرة وقدمت لهم الفائدة كمصر وتونس ولبنان وتركيا والأردن والسعودية وأغرقت المنتج الوطني، إضافة إلى أن هذه الدول أثرت على صادراتنا إلى أمريكا التي توقفت منذ 10 سنوات بسبب إلغاء التعرفة الجمركية على كل صادراتهم بينما سوريا لم تلغ التعرفة، كما أن تلك الدول تدعم صادراتها إلى كل دول العالم كمصر وتركيا إذ تعطي 15بالمئة دعماً مادياً لكل الصادرات، بينما الحكومة السورية في الاتفاقيات السابقة لم تقدم أياً من الدعم للمصدرين، ولن تقدم دعماً في الاتفاقية الأوربية وهذا واضح بالتصريحات الحكومية التي تؤكد عدم إعطاء الدعم المالي للمصدرين، وبالتالي فكل أنواع الدعم الأخرى مقارنة بالمادة ليست دعماً، أما عن الدعم المعنوي التوجيهي من خلال مشاركتنا بالمعارض فهو ليس دعماً لأن المشاركة وحجز المساحات ستكون مأجورة.
القمح التركي يغلق
بدوره صاحب شركة سهل حوران للمنتجات الزراعية وغربلة الحبوب سمير الخطيب يقول: قبل الحديث عن اتفاقية الشراكة الأوربية، فنحن حالياً أمام مشكلتين, أولاهما أنا منعنا منذ حوالي الثلاثة أشهر من تصدير القمح ومشتقاته باعتباره عائقاً في الدخل القومي ومن أجل حماية المستهلك، والآخر أن استيراد القمح بقي مسموحاً، مما جعلنا كمنتجي حبوب نقدم على خطوة التصنيع والاعتماد على الأسواق المحلية، إلى أن دخل القمح التركي إلى سوريا وأوقف عملنا، إذ إن القمح التركي يباع في الأسواق السورية ب 22-23 ليرة للكيلو الواحد بالمفرق، بينما سعرت الحكومة السورية القمح ب 20 ليرة للكيلو الواحد، وتبلغ تكلفة تصنيعه في معاملنا 6 ليرات للكيلو الواحد، مما يجعل السعر 26 ليرة للكيلو الواحد بالجملة، ويباع بسعر المفرق ب 30 ليرة للكيلو الواحد، ومن الواضح أن فارق السعر بين القمح السوري والتركي يجعل من المستهلك يقدم على اقتناء المنتج التركي، مما تسبب بإغلاق كل معامل الحبوب السورية التي يصل عددها إلى 50 معملاً، علما أن المنشآت السورية حديثة وتشمل المعدات التركية الجيدة، كما أن طاقة المعمل الواحد الإنتاجية كانت تصل قبل أن تغلق إلى 100طن يومياً خلال 24 ساعة، وكانت تحتوي على عمالة جيدة إذ يتطلب المعمل من 30-40 عاملاً، مما يعنيه إعالة 30-40 أسرة.
تركيا تدعم جيداً...
كما يقول الخطيب: في الوقت الذي منعنا فيه من التصدير خطت الحكومة التركية خطوة تشجيعية لمزارعيها ومصدريها، إذ إن أي منتج يقوم بتصريف 100طن من القمح، يحصل على نصف الكمية المصدرة 50طناً بنصف السعر، إضافة إلى دعم آخر للتسعيرة حيث يبلغ سعر القمح في تركيا 335 دولاراً للطن الواحد، ومن وقت لآخر تعلن الحكومة التركية عن مسابقة لأكثر التجار تصديراً لتبيعهم القمح ب 180 دولاراً للطن الواحد.
استثني القطاع الزراعي
في ظل واقعنا الحالي كمنتجين ومصدرين للحبوب وهو(العجز عن عمل أي شيء) يقول الخطيب: بكل تأكيد لن يكون وضعنا أفضل إذا ما وقعت اتفاقية الشراكة الأوربية، بل من الممكن أن نمضي إلى ما هو أسوأ، فنحن حالياً أمام مشكلة القمح التركي فقط وقد نصبح بعد الاتفاقية أمام أصناف جديدة من القمح من دول مختلفة، إضافة إلى أن الحكومة السورية خصصت 7 مليارات ليرة لدعم خمس منتجات حال تصديرها هي: زيت الزيتون والألبسة الجاهزة والمعلبات (الكونسروة) والحمضيات والغزول، ولم تشمل المواد الزراعية في اتفاقية الشراكة على الإطلاق، بما فيها الحبوب معتبرة أنه من المواد الزراعية، علماً أن القمح ومشتقاته(العدس - البرغل – الطحين -السميد)من الحاجيات الأساسية وتشكل القوت اليومي الغذائي للشعب، فكيف تستثنى من الدعم ؟!
وأنهى الخطيب حديثه بأمله في أن ينظر لمأساة مصنعي الحبوب نظرة جدية، في المرحلة الحالية وعقب توقيع اتفاقية الشراكة الأوربية، بغية عدم خسارة المزيد والحفاظ على هذه الثروة السورية الكبيرة(القمح ومشتقاته) من الضياع .
عن صحيفة الخبر - أمامة عكوش |