ما مدى تقدم عملية الإصلاح المؤسساتي خلال السنوات الخمس
الماضية؟ وهل سيبدأ الإصلاح الإداري في المرحلة القادمة؟ وما
هي العلاقة بين الإصلاحين الإداري والمؤسساتي؟
القراءات:
101
التعليقات:
0
العدد: 360
الكـاتب: م. محمود عنبر
مجلة أبيض وأسود.
ما مدى تقدم عملية الإصلاح المؤسساتي خلال السنوات الخمس الماضية؟ وهل سيبدأ الإصلاح الإداري في المرحلة القادمة؟ وما هي العلاقة بين الإصلاحين الإداري والمؤسساتي؟
الإصلاح المؤسساتي في سوريا:
تغطي أي عملية تطوير لدولة ما ثلاثة مستويات رئيسة هي: المؤسساتي - الإداري - الأفراد (راجع مقال الحكومات، من التطوير إلى الابتكار للكاتب في عدد سابق من المجلة)، ورغم عدم وجود استراتيجية معلنة للإصلاح في المرحلة السابقة، فإن قراءة التجربة التي حصلت في السنوات السابقة تبين أن المحور الرئيس للتطوير قد اقتصر على التطوير المؤسساتي (Institutional development)، والذي يعالج آليات الاعتمادات المالية، وآليات الرقابة، وآليات التشريع، وغيرها من النقاط التي ترسم الصورة الكبرى لعمل مؤسسات الدولة المختلفة. أما محور تطوير الموارد البشرية في الإدارة الحكومية، وبالرغم من كل الإنفاق الذي تم على التدريب والتأهيل، فنعتقد أنه لا يندرج ضمن الإصلاح المنشود على مستوى الأفراد، وذلك بسبب إخراج نقطتي قانون العاملين الموحد وأطر عمل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش منه، مما حد من الآثار التي يمكن توقعها في هذا المحور، أما على المحور الثالث (التطوير الإداري)، فنعتقد أنه هناك شبه اتفاق على أن العمل لم يبدأ بعد (ربما باستثناء بعض المحاولات التجريبية)، وربما كان ذلك بانتظار تبلور النتائج على المحورين الآخرين، رغم أن هذا التلازم لا يوجد ما يبرره.
الحامل الإداري للإصلاح المؤسساتي:
حسب اعتقادنا، فهناك العديد من الخطوات التي حصلت في مجال الإصلاح المؤسساتي، والتي لم تؤد لنتائج واضحة بسبب غياب الحامل الإداري القادر على ترجمتها على أرض الواقع، فمن حيث المبدأ الحوكمة ليست أكثر من مجموعة من القواعد الناظمة، وآليات لضبط الالتزام بهذه القواعد، وفي حالتنا صدرت العديد من القرارات والقوانين والدراسات التي تهدف لإجراء تحول في الاتجاه الصحيح، إلا أن الضعف الإداري أدى إما لعدم حدوث تغيير أو لحدوث تغيير في اتجاه آخر، وهذا يدل على ضرورة تلازم الإصلاحين الإداري والمؤسساتي للتمكن من ترجمة التوجهات الإصلاحية على أرض الواقع، وهذا لا يعني بالضرورة أن كافة الخطوات على المستوى المؤسساتي قد كانت سليمة، ولكن طالما أننا لا نمتلك الآليات التي تسمح بترجمة تلك الخطوات واقعياً، ومن قياس نتائجها، فلا يمكننا معرفة مدى ملائمة تلك الخطوات للواقع المحلي.
الإصلاح الإداري وتبسيط الإجراءات:
نقطة أخرى تحتاج لمعالجة، وهي اعتقاد البعض أن تبسيط الإجراءات هو الإصلاح الإداري، والحقيقة أن الإصلاح الإداري يتضمن مجموعة من الأعمال أحدها التبسيط المحتمل للإجراءات، وما لم يتم وضع عملية تبسيط الإجراءات ضمن الإطار الأعم، فنعتقد أن النتائج قد لا تكون كما هو مرغوب. ومن ناحية أخرى، فنعتقد أنه يجب العمل جدياً على وضع اعتمادات لعملية الإصلاح الإداري في الخطة الخمسية الحادية عشرة، وربما من المفيد التذكير بأن محور إصلاح الإدارة العامة هو أحد المحاور الاستراتيجية الثلاثة التي تم اعتمادها ضمن مبادرة الحكومة الإلكترونية، وبالتالي، فمن المفترض أن يكون هناك اعتمادات للوزارات والمؤسسات المختلفة تتعلق بالتطوير الإداري (كجزء من الاعتماد الذي سيقر لمبادرة الحكومة الإلكترونية)، ويفضل أن يتم إقرار البرامج والمشاريع المتعلقة بتطوير الإدارة العامة من اللجنة التوجيهية للحكومة الإلكترونية (كما هو الحال لباقي محاور الاستراتيجية)، وذلك حرصاً على التأكد من وقوع هذه المشاريع في السياق السليم لتطوير الإدارة العامة.
تأهيل الكوادر:
حسب معلوماتنا، فقد تم تخصيص مبالغ كبيرة في السنوات الماضية لتأهيل الكوادر البشرية، إلا أن هذه المبالغ تم إنفاقها على الدورات التدريبية القصيرة والطويلة الأمد، ولم يخصص أي مبلغ لإعداد الدراسات ولرسم السياسات التي تسمح بإحداث تغيير نوعي في الكوادر البشرية العاملة في الإدارة الحكومية، وبالتالي نعتقد بضرورة إجراء تغيير في سياسة تطوير الكوادر البشرية، وذلك بالتزامن مع مشروع المراتب الوظيفية الذي يساهم في إجراء التحول المطلوب، وربما يجب إنهاء العمل بقانون العاملين الموحد الذي ساهم في إضعاف روح المبادرة لدى العاملين، بحيث تساوى العاملون في دخولهم على حساب أدائهم، وبالتالي على حساب أداء إداراتهم ومؤسساتهم.
ما دور مبادرة الحكومة الإلكترونية؟
بالنظر إلى مستويات الإصلاح المختلفة، (المؤسساتي - الإداري - البشري)، يكمن التحدي في ضمان انسجام المستويات الثلاثة للتحول (من جهة)، ومن جهة أخرى ضمان توجيه هذا التحول وفقاً لما هو مرغوب به، ونعتقد أن مبادرة الحكومة الإلكترونية تضمن أولاً أن التحول يحدث حصراً باتجاه تحقيق مصلحة المواطن (تخفيف الأعباء عنه)، وباتجاه زيادة كفاءة وتخفيف هدر الإدارات الحكومية، وأن يحدث التحول وفق المعدلات المطلوبة، وأن يتم وضع المواطن في محور التحول المطلوب. أما ما يتعلق بمحور تطوير الكوادر البشرية، فنعتقد أنه هنا يكمن التحدي الأكبر، ويكشف عن الخلل الذي عانت منه آليات تطوير الكوادر البشرية في المرحلة الماضية، فالتدريب كان مقاداً بما هو متاح في المعاهد التقنية، وليس وفقاً لما يتطلبه تحقيق الأهداف المتعلقة بالمؤسسات، وبما أن المعاهد التقنية هي ليست أكثر من منفذ للسياسات التدريبية التي تضعها شركات التكنولوجيا، فقد كانت معظم البرامج التدريبية مرتبطة بذلك، ومن هنا حدثت الفجوة في عملية التأهيل، وبالتالي لابد من إعادة النظر في برامج التدريب والتأهيل، وفي وضع الآليات التي تسمح باستقطاب الكوادر عالية التأهيل للعمل في الإدارات الحكومية.
وختاماً، ربما من الضروري التأكيد على أن المبادرات المركزية تأتي لدعم جهود الإدارات وليس لاستبدالها، وبالتالي فإن حدوث تأخر في مكان ما لا يجب أن يثني الإدارات من المضي قدماً في عملية الإصلاح، فالإصلاح يفترض أنه مسؤولية الجميع، وفي هذا السياق ربما علينا أن نتساءل عن الخطة الإصلاحية لكل جهة حكومية، وكيف تبلورت خلال العام الحالي؟ وكيف ستنعكس على الخطة الخمسية الحادية عشرة، فالتحديات التي تواجهها سوريا، وبشكل خاص على المستوى الدولي، لا تسمح بأي بطء في عملية إصلاح الإدارة العامة، وإن كان الإصلاح المؤسساتي لا يمكن أن يتم إلا بشكل مركزي، فإن الإصلاح الإداري كان يفترض أن يطلق على مستوى الوزارات والمؤسسات منذ مدة، والآن نعتقد أن الفرصة سانحة لإطلاق الإصلاح الذي يرفع كفاءة الإدارات العامة، ويجعلها أكثر قدرة على تحقيق المهام المناطة بها، والتمتع ببنى إدارية مرنة تسمح لها بالاستجابة للتغيرات التي تتطلبها عملية التطوير والتحديث.