العدد: 361
الكـاتب: م. محمود عنبر
مجلة أبيض وأسود
هل سيتمكن الإعلام الإلكتروني في سوريا من تجاوز المأزق الذي وضع نفسه فيه؟ وهل سيصبح أحد ركائز المنظومة الإعلامية السورية؟ وما هي ملامح التحول المطلوب في قطاع الإعلام في سوريا؟
أزمة الإعلام الإلكتروني:
لا نعتقد أن الإعلام الإلكتروني في سوريا قد تمكن من تحقيق إنجازات تذكر (حتى تاريخه)، ورغم أنه قد قام بإيهام البعض بأنه قد قام بذلك بالفعل، فما حصل هو أن المواقع الإلكترونية السوريّة قد تمكنت من تشكيل نافذة إلكترونية للإعلام السوري التقليدي، وهذا بدوره ساهم في إبراز الإعلام السوري على المستوى المحلي والعربي. لكن هذه النقطة الإيجابية (رغم محدوديتها) قد ترافقت بمجموعة من المظاهر السلبية التي لم تسمح لهذه المواقع الإلكترونية بالتحول لمؤسسات إعلامية، وانجرفت تلك المواقع نحو الخيار الأسهل (وهو نسخ المحتوى)، وقد ترافق ذلك للأسف مع وجود آليات غير تنافسية لتوجيه نسبة كبيرة من الاعتمادات الإعلانية (الحكومية وغيرها..) إلى هذه المواقع، وبالتالي أصبح المشهد الإعلامي في سوريا طريفاً، فهناك مؤسسات إعلامية تقوم بتوليد المحتوى، ويعمل كتابها ومراسلوها على جمع المعلومات وإجراء المقابلات، ويتحملون كل مصاعب المهنة الإعلامية، بينما هناك فريق آخر، ليس لديه إلا مجموعة صغيرة من التقنيين الذين ينسخون المحتوى الإعلامي، ويقبضون المبالغ المالية التي يفترض أنها مخصصة للجهة التي أنتجت المحتوى، وليس للجهة التي نشرته.
لا تقتصر أزمة المواقع الإعلامية على استنزاف موارد المهنة الإعلامية بغير وجه حق، إلا أنها امتدت لتشمل بعض الممارسات الخاطئة في مجال نشر بعض المقالات التي لا يمكن أن تخضع لتصنيف المحتوى الإعلامي، وهي مقالات أقرب للغة الشتائم التي من المؤسف أن نجدها في مواقع تتسم بالصفة الإعلامية، وبعض المواقع أيضاً هو ليس أكثر من ماكينة للتطرف متعدد الاتجاهات، وبعضها يساهم في خلخلة التماسك المجتمعي، وفي الحض على الكراهية بين أفراد المواطنين، ويساهم في كبح التعددية الفكرية، وبالتالي أصبحت هذه المواقع عبئاً على المشهد الإعلامي، ولذلك كان لابد من تدخل حكومي فعال يؤدي (على الأقل)، لإرسال رسالة للمواطن السوري، بأن الحكومة السورية غير راضية عن هذا النوع من النشاط، وأن وجود بعض الإعلانات في هذه المواقع هو ليس أكثر من خطأ ناجم عن ضعف في الآليات البيروقراطية، وليس توجهاً حكومياً.
سقف الإعلام الإلكتروني والمطبوع:
على الرغم مما يتم الترويج له عن السقف المرتفع للإعلام الإلكتروني مقارنة بالمطبوع، فالحقيقة التي يمكن معرفتها من مراجعة معظم المقالات (ذات العيار الثقيل)، ليتبين أنها ناجمة عن تحقيقات ودراسات قام بها الإعلام التقليدي (الحكومي والخاص)، أما السقف الذي يستخدمه الإعلام الإلكتروني، فهو على الغالب في التعليقات على المقالات، والتي لا يمكن أن تخضع لتصنيف العمل الإعلامي، خاصة إن لم يكن هناك آلية شفافة لوضع التعليقات أو منعها، أو من وجود آلية تمنع الجهات المختلفة من وضع التعليقات، وخاصة العاملين في الموقع نفسه، وبالتالي تحولت هذه المواقع لوسيلة لإيصال الرسائل بين الجهات المختلفة بطريقة غير مضبوطة، وإلى الإمعان في بث الكراهية والفرقة بين المواطنين، وذلك عبر عدم احترام معتقدات وأفكار الجهات المختلفة، وكل هذا يدل على إساءة استخدام لما يسمى (السقف المرتفع)، وإن أضفنا لذلك استخدام أسماء وهمية وأحياناً استخدام اسم شخص آخر للتهجم على شخص ثالث، يتبين لدينا التردي الذي وصلت إليه المواقع الإعلامية، وهنا ربما من المفيد التوضيح أن التواصل عبر الشبكة لا يعني مهاجمة الآخرين، بقدر ما يعني فتح أقنية للحوار من جهة، ويعني أيضاً توجيه العمل الإعلامي وفق اهتمامات القراء، أما بالنسبة لقضية مراقبة التعليقات، فقد يقول البعض أن هذا الأمر متاح (دون رقابة) في الدول الغربية، ولكن في تلك الدول، هناك قانون للنشر على الشبكة وقانون للجريمة الإلكترونية يمكن من خلالهما حصول أي (معتدى عليه) على حقه.
قانون التواصل مع العموم عبر الشبكة:
لم يعد خافياً أن الحكومة السورية تحاول معالجة المشكلات السابقة عبر إعداد مسودة قانون تحت اسم (قانون التواصل مع العموم عبر الشبكة)، ولكن للأسف فالمسودة المطروحة تقتصر في نظرتها على معالجة المشكلات السابقة، دون أن يكون هناك رؤية واضحة لكيفية بناء إعلام إلكتروني فعال يساهم في تطوير المنظومة الإعلامية السورية، وبالتالي، سينجم عن تطبيق هذا القانون (إن بقي كما هو)، إغلاق بعض المواقع الحالية، أو انتقالها للعمل خارج القطر، وإضعاف المواقع الأخرى لتصبح في وضع مشابه للإعلام التقليدي (المطبوع) الذي مازال في غرفة الإنعاش، لأسباب متعددة مرتبطة بالسياسة الإعلامية المعتمدة. وبالتالي نعتقد أنه من المفيد أن لا تقتصر المعالجة على (إدارة أزمة) المواقع الإعلامية، ولكن أن تشمل إعادة النظر في السياسة التي تتعامل بها الحكومة مع الإعلام التقليدي، وأن تكون هذه المراجعة باتجاه تحريره من القيود التي فرضت عليه من خلال مؤسسات غير فعالة وهي: المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات - المؤسسة العربية للإعلان - اتحاد الصحفيين. وبالتالي بدلاً من أن يتم وضع المواقع الإلكترونية في وضع مشابه للإعلام التقليدي، فمن المفيد إجراء مراجعة جذرية للمواد ( 11, 18 , 22,23,37 ( من مسودة القانون، وذلك باتجاه جعل إجراءات اعتماد المواقع أكثر شفافية، وآليات تشغيلها وفق أسس إعلامية، وغير مرتبطة بالقيود الإدارية التي تمتلكها المؤسسات الثلاث المذكورة سابقاً، والتي ساهمت في إضعاف الإعلام السوري المطبوع، وهذا يضمن أنه إن لم تلتزم المواقع الإلكترونية الحالية بالقانون، فالقانون سيكون دافعاً لتأسيس مؤسسات إعلامية جدية تتمتع بالقدرة على الحياة وفق نموذج اقتصادي مستدام، وليس أن يكون هذا القانون سبباً في هجرة المواقع الحالية للعمل خارج سوريا، وعدم إنشاء مواقع بديلة جدية، وبالتالي تخسر سوريا نافذتها الإلكترونية، فالقضية ليست في أن نغلق مجموعة من المواقع، ولكن في أن نتمكن من بناء إعلام إلكتروني فعال متخلص من الشوائب التي رافقت المرحلة السابقة، وهذا لن يتحقق من خلال تكبيل الإعلام الإلكتروني بقيود إدارية لمؤسسات ضعيفة الكفاءة والشفافية.
وختاماً، نود التأكيد على أن معظم البنود التقنية الواردة في مسودة القانون، والمتعلقة بقواعد النشر تشابه القواعد المتعارف عليها عالمياً، وستؤدي لقفزة في العمل في المواقع الإلكترونية السورية، وبالتالي المشكلة حتى الآن في مسودة القانون هي إعلامية - إدارية وليست تكنولوجية، وأعتقد أن هذا يقودنا إلى الحلقة المفقودة، وهي التأخير الذي اعترى إصدار النسخة الجديدة من قانون المطبوعات التي جرى العمل عليها لمدة ثلاث سنوات، ومن ثم وضعت على الرف، لذلك نعتقد أنه من المفيد إصدار النسخة الجديدة من قانون المطبوعات (بعد تحريرها من قيود المؤسسات أيضاً)، وحينها يصبح الطريق ممهداً لإقرار قانون التواصل مع العموم عبر الشبكة، بطريقة تدفع بالعمل الإعلامي إلى الأمام، وحينها يمكننا توقع بناء إعلام إلكتروني جدي يتحمل مسؤولياته ولا يعيش على جهود الآخرين، ويشكل صمام أمان للوحدة الوطنية بدلاً من إضعافها. |