الشبكات الاجتماعية .. ومجتمعات المستقبل الأحد 11-07-2010 09:21 صباحا
إلى أين تدفع الشبكات الاجتماعية بمستخدميها؟ وهل تمثل الشبكات
الاجتماعية أداة للتعارف والتواصل بين شرائح واسعة فقط؟ أم
أنها قد تشكل قاطرة لتحول اجتماعي أوسع؟
القراءات:
100
التعليقات:
0
العدد: 363
الكـاتب: م. محمود عنبر
مجلة أبيض وأسود
إلى أين تدفع الشبكات الاجتماعية بمستخدميها؟ وهل تمثل الشبكات الاجتماعية أداة للتعارف والتواصل بين شرائح واسعة فقط؟ أم أنها قد تشكل قاطرة لتحول اجتماعي أوسع؟
التحولات المجتمعية عبر التاريخ:
عاش الأفراد الذين يعملون في الزراعة والرعي لسنوات طويلة في تجمعات صغيرة تسكن في أماكن متفرقة، وذلك بسبب أهمية الأرض في العمل الزراعي وفي تربية المواشي، ومن هنا تشكلت المجموعات الصغيرة كسكان القرى، وعند انطلاق الثورة الصناعية ظهرت الحاجة لانتقال مجموعات كبيرة من العمال وعائلاتهم للعيش في أماكن قريبة من المصانع، فكل مصنع قد يشغل آلاف العمال، وبالتالي فهو يحتاج لآلاف الوحدات السكنية المتجاورة نسبياً، ومع الحاجة لتقارب المعامل مع بعضها، وذلك بسبب متطلبات البنية التحتية المشتركة كالطرقات والكهرباء وسككك الحديد، تحولت التجمعات إلى مدن. وبسبب تحفيز المصانع للنشاطات التجارية المباشرة وغير المباشرة تحولت بعض هذه المدن من مدن سكنية إلى مدن مكتملة المقومات من نشاطات صناعية وتجارية. ومن ناحية أخرى، فقد لعبت هذه التجمعات الكبرى دورها الاجتماعي في انتعاش النشاطات الثقافية والتعليمية وباقي احتياجات المجتمع.
محدودية البنية التحتية:
المشكلة في النموذج السابق هي في أنه يشكل استنزافاً كبيراً على المستوى البيئي، وذلك سواء من حيث مخلفات المعامل، أو مخلفات تلك الحياة الاجتماعية المكتظة كحركة السيارات، أو استهلاك الموارد المائية المحدودة، وبالتالي ظهرت الآثار السلبية لهذه التحولات، وتبين أن هذا النموذج غير قابل للاستمرار.
التحولات المجتمعية في بدايات العصر الرقمي:
لم تختلف الصورة كثيراً في بداية العصر الرقمي، وذلك كون معامل المنتجات الإلكترونية قد ساهمت في بناء نموذج مشابه، ومثلها شركات صناعة البرمجيات، فكل هذه الشركات تطلبت وجود مجموعة كبيرة من العاملين في مواقع متقاربة، وبالتالي فقد كان الانتقال من الثورة الصناعية إلى الثورة الرقمية ذا أثر محدود على البعدين البيئي والاجتماعي. ورغم ما توقعه البعض من أن القفزة في قطاع الاتصالات ستحدث تحولاً في هذا النموذج، إلا أننا لاحظنا أن كل تلك الخطوات في مجال الثورة التكنولوجية لم تحقق تحولاً كبيراً، وربما كان السبب في ذلك صعوبة العودة إلى الوراء في التجمعات السكنية، ولكننا لاحظنا أنه حتى المدن التي بنيت حديثاً (مثل بعض دول الخليج) لم تحاول الاستفادة من بدايتها المتأخرة، بل على العكس نافست باقي الدول في مدى الضغط على البنى التحتية. وقد ساء الأمر مع نهاية الوعود المرتبطة بالأعمال الإلكترونية التي يفترض أن تحفز مبدأ العمل من المنزل، ولكن معظمنا يذكر ظاهرة إغلاق عدد كبير من شركات الإنترنت في العام (2001)، وما سمي يومها بفقاعة شركات الإنترنت (dot-com bubble)، وبينما فسر البعض هذه الظاهرة بأنها ناجمة عن المبالغة في ثورة الإنترنت وأثرها على النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، فقد اعتبرت جهات أخرى بأن هذه الظاهرة لم تكن أكثر من ظاهرة طبيعية ترافق أي انطلاق لتقانة جديدة، ولحظة الانهيار كانت اللحظة التي تميزت فيها الشركات الجدية والتي تمكنت من إيجاد موطئ قدم لها، عن الجهات الأخرى، والتي لم تتمكن من تحقيق الحد الأدنى المطلوب.
وبهذا فالشركات التي نجت من تلك الظاهرة قادت عملية تطوير الإنترنت، ونقلها إلى مرحلة أخرى، وبهذا شكلت تلك الظاهرة ملامح الجيل الثاني للإنترنت (web2.0).
الجيل الثاني للإنترنت:
رغم العديد من التغييرات التي أحدثتها الشبكات الاجتماعية، إلا أننا نعتقد أن هذه التغييرات مازالت في بداياتها، ورغم وجود مئات الملايين من المشتركين في الشبكات الاجتماعية حول العالم، فإن تأثير هذه الشبكات على المجتمعات مازال في مرحلة التبلور، وذلك كون هذه الشبكات مازالت تعتبر شبكات إضافية للشبكات الاجتماعية التقليدية، ومازالت لا تشكل إطار العمل التقليدي لمنتسبيها، وبالتالي فمازالت قدرتها على إحداث تغيير اجتماعي محدودة نسبياً. ولكن انتشار استخدام هذه الشبكات في مجالات العمل اليومية، ومع ازدياد التقاطع بين الشبكات الاجتماعية التقليدية والإلكترونية، ربما ستصبح هذه الشبكات أداة تحول اجتماعي، ولكن في أي اتجاه؟
اتجاه تأثير الشبكات الاجتماعية:
لو حاول أحدنا الآن أن يحصي عدد الذين يجتمع معهم في يومه، مقارنة مع من يكلمهم عبر الهاتف، ومع من يتحدث معهم عبر الشبكات الاجتماعية، فقد يلاحظ أن التقاطعات محدودة نسبياً، ولكن لو حاولنا توقع كيف سيكون عليه الحال خلال بضع سنوات، فيما لو أصبحت النشاطات اليومية (الاقتصادية والاجتماعية) تقاد عبر هذا النوع من الشبكات الإلكترونية، فهذا يعني أن المجموعتين ستتقاربان بشكل كبير، ولكن هذا التحول يجعل من فكرة الموقع الجغرافي المتقارب للعاملين في مجال محدد أو المتشاركين في نشاطات اجتماعيةً أمراً من الماضي، وبالتالي قد يؤدي ذلك لعودة المجتمعات إلى تشكيلاتها السابقة، ويصبح من الممكن أن يتم منح الأولوية للعوامل البيئية في اختيار مكان السكن، وهذا بدوره قد يعيد التوازن إلى التوزع السكاني في المناطق المختلفة.
مستوى الخدمات:
يرتبط التصور السابق، بمدى التفاوت في مستوى الخدمات التي يتم تقديمها في الأماكن المختلفة، وبالتالي قد تلعب الشبكات الاجتماعية دوراً في جعل هذا الخيار أكبر إمكانية، وذلك في حال كون بعض الخدمات، وبشكل خاص الصحة والتعليم قابلة للتحسن بشكل جذري في حال استخدام تقانات المعلومات والاتصالات، وبشكل خاص مفاهيم الشبكات الاجتماعية، وهكذا تصبح قضايا مثل التعليم الإلكتروني والصحة الإلكترونية قضايا ذات أثار استراتيجية تتجاوز موضوعي الصحة والتعليم، ومن من ناحية أخرى، فإن هذا التحول، الذي نعتقد أنه قادم لا محالة سيفرض على الإدارة الحكومية أن تكون السباقة في إعادة توصيف طرق تقديمها لخدماتها بطريقة تجعلها أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية، بل قد تشكل دافعاً باتجاه تسريع هذا النوع من التحول.