الإدارة العامة.. بين تبسيط الإجراءات وإجراءات التبسيط
الإدارة العامة.. بين تبسيط الإجراءات وإجراءات التبسيط الثلاثاء 13-07-2010 01:21 صباحا
لماذا تبنت الإدارة العامة السورية خيار تبسيط الإجراءات؟ وهل
يعتبر تبسيط الإجراءات المدخل الرئيس لتطوير الإدارة العامة؟
أم أنه أحد محاور تطوير الإدارة العامة؟ وأين تكمن إشكالية
تطوير الإدارة العامة؟
القراءات:
84
التعليقات:
0
العدد: 364
الكـاتب: م. محمود عنبر
مجلة أبيض وأسود
لماذا تبنت الإدارة العامة السورية خيار تبسيط الإجراءات؟ وهل يعتبر تبسيط الإجراءات المدخل الرئيس لتطوير الإدارة العامة؟ أم أنه أحد محاور تطوير الإدارة العامة؟ وأين تكمن إشكالية تطوير الإدارة العامة؟
بين الوسيلة والهدف:
رغم أهمية عمليات تبسيط الإجراءات، فإنه من المفيد التوضيح بأن عملية تبسيط الإجراءات هي إحدى الأدوات التي تستخدم لتطوير الإدارة العامة، وترافقها على الغالب خطوات أخرى مثل تبسيط الهيكل الإداري، وتبسيط أدوار العاملين ضمن الهيكل الإداري، وتبسيط طرق تبادل المعلومات ضمن الإدارة العامة، وتبسيط طرق تحديث المعلومات، وغيرها من النقاط التي نعتقد أنها تصب جميعاً ضمن محور تطوير الإدارة العامة، وقد يمكننا إضافة نقاط أخرى تتعلق بالتشريعات والكوادر البشرية، وغيرها، ولكن كل تلك النقاط هي أدوات يفترض أن تخدم هدفاً محدداً وهو تطوير الإدارة العامة.
ما هو المقصود بتطوير الإدارة العامة؟
حددت استراتيجية الحكومة الإلكترونية السورية الأهداف التالية لتطوير الإدارة العامة:
- رفع كفاءة العمليات الإدارية الداخلية.
- رفع كفاءة عمليات خدمة المستفيدين.
- رفع كفاءة أعمال المشتريات.
- تبسيط الإجراءات الداخلية في كل وزارة.
- تبسيط وتنسيق الإجراءات بين الوزارات.
- تخفيض أعباء الأعمال الحكومية الداخلية.
- ضبط الفساد الإداري وسوء استخدام السلطة.
- زيادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
- تحقيق أقصى نفع ممكن من الإنفاق العام.
من الملاحظ أن الأهداف السابقة التي وضعتها الاستراتيجية قد ركزت على رفع كفاءة الأعمال (efficiency) التي تتم في الإدارة العامة، وبالتالي فمن البديهي أن أي عملية تطوير لأعمال الإدارة العامة يجب أن يؤدي لتحقيق النتائج نفسها بموارد أقل (زمنية ومالية وبشرية)، أو أن يحقق نتائج أفضل باستخدام الموارد نفسها، ونعتقد أن هذه النقطة يجب التركيز عليها، فالإدارة الحكومية لم يتم إنشاؤها لتقوم بتنفيذ معاملات، وبالتالي فالإدارة الحكومية لها دور محدد، وعلى الغالب هذا الدور هو الدور الناظم (regulator) والمدقق (Auditor) لمدى الالتزام بالقواعد الناظمة لأي عمل، وبالتالي فالإجراءات قد وضعت للعب هذين الدورين، وليس العكس، وهكذا فإن تبسيط الإجراءات يجب أن يقع في سياق الحفاظ على (أو تطوير) الدورين الناظم والمدقق للإدارة الحكومية.
ما هي إجراءات التبسيط المطلوبة؟
بعد أن تبين لدينا أن المرجع في تحديد اتجاه التطوير هو قدرة الإدارة العامة على القيام بدورها الأساسي، فإن تبسيط طرق عمل الإدارة العامة يجب أن يصب في هذا السياق، وبالتالي رغم أهمية تخفيض زمن المعاملات على المواطن، إلا أن هذا التخفيض ليس العامل الوحيد، فقد ينخفض زمن المعاملة من أسبوع إلى نصف ساعة (مثلاً)، ولكن زمن معالجة المعاملة داخلياً قد لا يتغير، مما يعني أن كلفة المعاملة على الحكومة لم تتغير، كما أنه من الممكن أن يتم تخفيض زمن وكلفة المعاملة على الحكومة، ولكن يتم ذلك على حساب وظائف جوهرية، وبالتالي يفقد العمل الحكومي أهم مقوماته التي بيناها سابقاً.
أهمية الرصد والتقويم:
ترتبط القدرة على قياس مدى نجاعة أي عملية تطوير، بقدرتنا على قياس انعكاساتها المباشرة (وربما غير المباشرة) على تحقيق الأهداف المبينة سابقاً، وهذا الأمر يتطلب بناء منظومة للرصد والتقويم تبين لنا مدى تأثير أعمال التطوير على تحقيق الأهداف المحددة، وبالتالي تسمح هذه المنظومة باتخاذ القرارات في الوقت المناسب، فعلى سبيل المثال، لو تمكنا من تخفيض معاملة ما من أسبوع إلى ثلاث ساعات دون أن نخفض زمن معالجة المعاملة حكومياً، فهل يفضل أن نستمر في محاولاتنا لتخفيض زمن تقديم المعاملة (من ثلاث ساعات إلى نصف ساعة مثلاً)، أم يفضل أن نقوم بتخفيض كلفة معالجة المعاملة إلى النصف؟ أو أن نخفض زمن معالجة المعاملة دون التركيز على الكلفة؟ وذلك بسبب وجود طلب كبير على خدمة ذات حساسية كبيرة نسبياً، وهكذا، فإن ما يصح لمعاملة ما قد لا يصح لمعاملة أخرى، وبالتالي فإن طرح حل موحد للمعاملات الحكومية (التي تتجاوز الألف معاملة)، لا يعتبر أمراً مقنعاً، فالأولويات قد تختلف من وزارة لأخرى، ومن محافظة لأخرى، ومن هنا كان التأكيد على أهمية اللامركزية في معالجة أعمال تطوير الإدارة العامة، ولكن مع مركزية للأسس والمعايير التي سيتم اعتمادها في المراحل المختلفة لعلمية التطوير.
عين على المواطن وعين على الإدارة:
بعد التوضيح السابق، ربما يجب أن نشير إلى الإشكالية في التصور السابق، والمتمثلة في كون الأعمال المتعلقة بتطوير الإدارة العامة لا يلحظها المواطن، بعكس الأعمال المتعلقة بتطوير طرق تقديم الخدمة للمواطن، والتي يظهر أثرها بشكل مباشر على المواطن، رغم أنها قد لا تساهم في رفع كفاءة العمل الإداري الحكومي، ولهذا من المفيد التذكير بالأهداف التي وضعتها استراتيجية الحكومة الإلكترونية لهذا المحور (تقديم الخدمات الحكومية إلكترونياً) وفقاً لما يلي:
- نشر معلومات مهيكلة ومحدثة عن الخدمات الحكومية.
- تقديم خدمات إلكترونية تفاعلية أو معاملاتية.
- إتاحة الخدمات وفق أقنية متعددة.
- الترويج للخدمات الإلكترونية الحكومية ورفع معدلات استخدامها.
- تعزيز تشاركية المستفيدين في الشأن الحكومي.
- تحقيق رضى الزبائن.
- التحسين المستمر لمحتوى المواقع الحكومية، ولسهولة استخدامها.
- تخفيض كلفة الخدمة (على المستفيد).
- زيادة القيمة المضافة التي يحصل عليها المستفيد.
- إعادة هيكلة الخدمات الحكومية وفقاً لاحتياجات المستفيد.
- إتاحة خدمات جديدة تتناسب مع رغبات واهتمامات المستفيدين.
إن الفهم الدقيق للإشكالية السابقة، هو الذي يبين طبيعة القوى التي قد تؤثر في الأعمال التي تقوم بها كل جهة لتطوير العمل لديها، فهناك جهات فضلت العمل على المحور الأول فقط، وجهات عملت على المحور الثاني فقط، وطبعاً هناك جهات عملت على المحورين، ولكن مع محدودية الموارد والعدد الكبير للخدمات، وللمعاملات المقدمة سنوياً، تصبح القرارات المتعلقة بطرق تبسيط وتسريع عمل الإدارة الحكومية أكثر تعقيداً، ومن هنا لابد من وجود أولويات واضحة، وتسلسل محدد، وآلية قياس (رصد وتقويم)، كما يجب أن يكون واضحاً أن الهدف هو المواطن، ولكن وسيلة حصول المواطن على الفائدة المرجوة، تتمثل في نسبة الخدمات المتاحة من جهة، وفي مدى استخدامه لهذه الخدمات، وهذه النقاط قد لا يمكن تحقيقها واقعياً دون الاهتمام بمحور تطوير الإدارة العامة، وإدراج كلا المحورين في سياق استراتيجي واضح ومحدد الأهداف والمعالم.